الشنقيطي
114
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
كمال النعيم ، فأشجار ورياحين ، فروح وريحان وجنة نعيم . وهذا في التعميم يقابل العين الآنية في الحميم للقسم الأول ، فيها سرر مرفوعة وهم عليها متكؤن بدل من عمل الآخرين في نصب وشقاء . وأكواب موضوعة لإتمام التمتع وكمال الخدمة والرفاهية . ونمارق مصفوفة متكا وزرابي مبثوثة مفروشة في كل مكان ، فاكتمل النعيم من كل جانب ، حيث اشتمل ما تراه العين وما تسمعه الأذن وما يتذوقون طعمه من شراب وغيره . فيكون بذلك قد غشيتهم النعمة ، كما غشيت أولئك النقمة وتكون الغاشية بمعنى الشاملة ، وعلى عمومها للفريقين ، وهي صالحة لغة وشرعا للمعذبين بالعذاب ، وللمنعمين بالنعيم . وباللّه تعالى التوفيق . تنبيه مجيء فِيها مرتين : فِيها عَيْنٌ جارِيَةٌ فِيها سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ . للدلالة على قسمي نعيم الجنة . الأول : عيون ونزهة . والثاني : سرر وسكن . قوله تعالى : أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) فَذَكِّرْ إِنَّما أَنْتَ مُذَكِّرٌ ( 21 ) [ 17 - 21 ] . توجيه الأنظار إلى تلك المذكورات الأربعة ، لما فيها من عظيم الدلائل على القدرة وعلى البعث وثم الإقرار للّه تعالى بالوحدانية والألوهية ، نتيجة لإثبات ربوبيته تعالى لجميع خلقه . أما الإبل فلعلها أقرب المعلومات للعرب وألصقها بحياتهم في مطعمهم من لحمها ومشربهم من ألبانها ، وملبسهم من أوبارها وجلودها ، وفي حلهم وترحالهم بالحمل عليها مما لا يوجد في غيرها في العالم كله لا في الخيل ولا في الفيلة ، ولا في أي حيوان آخر ، وقد وجه الأنظار إليها مع غيرها في معرض امتنانه تعالى عليهم في قوله : أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ ( 71 ) وَذَلَّلْناها لَهُمْ فَمِنْها رَكُوبُهُمْ وَمِنْها يَأْكُلُونَ ( 72 ) وَلَهُمْ فِيها مَنافِعُ وَمَشارِبُ أَ فَلا يَشْكُرُونَ [ يس : 71 - 73 ] . وكذلك في خصوصها في قوله : وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها